محمد علي سلامة
71
منهج الفرقان في علوم القرآن
وهذه الألفاظ المختلفة مع الاتفاق في المعنى كلها منزلة من عند اللّه وكل سمع ما قرأ به من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بدليل قوله : « هكذا أنزلت » فلم تقع الإباحة في قوله عليه الصلاة والسلام : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يدل اللفظة من بعض اللغات جعلها من تلقاء نفسه ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن ولكان معرضا أن يبدله كل من أراد حتى يكون غير الذي نزل من عند اللّه . وقد وقعت الإباحة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليوسع بها على أمته كما قدمنا فهو صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أقرأ مرة لأبى بما قرأه عليه جبريل ، ومرة لابن مسعود بما قرأه عليه جبريل أيضا وهكذا بالنسبة لقراءة عمر بن الخطاب وقراءة هشام بن حكيم لها ولو لم يكن الأمر كذلك لما استقام قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند الاختلاف في القراءة « هكذا أنزلت » أو « هكذا أقرأني جبريل » وأيضا لو كان لأحد من الناس أن يغير ما يشاء ويضع ما يريد لبطل قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وحمل الحرف على اللغة مطابق لمعنى الجهة عرض هذا القول على الأصول السابقة بعرض هذا القول عليها نجد : ( أولا ) أن حمل القبائل المختلفة في أول الأمر على القراءة بحرف واحد أي لغة واحدة فيه حرج ومشقة ( ثانيا ) أن في إنزال المعنى الواحد على سبع لغات توسعة وتيسيرا . ( ثالثا ) كان المسلمون مخيرين في القراءة بأي لغة يسمعونها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( رابعا ) ترتب على ذلك اختلافهم في القراءة وأخذ بعضهم بعضا إلى حضرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك قبل أن يعلموا أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان يبلغ السبعة لكل أحد بل يبلغ كلاما يناسبه ويسهل عليه النطق به ولهذا بعد أن علموا أن القرآن أنزل على سبعة أحرف أي لغات واشتهر ذلك بين الصحابة لم يعد أحدهم ينكر على الآخر قراءته . ( خامسا ) تصويب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقراءة كل دليل على أن الخلاف بينهم كان في